تداعيات فوز ترامب على أميركا والعالم

دونالد ترامب رئيساً لأميركا مرة ثانية. هو ظاهرة أميركية بامتياز، ونتاج اليمين الأميركي الأبيض، والنموذج الأيديولوجي العنصري. ترامب ليس رجل مبادئ، هو رجل أعمال وصفقات وشخصية جدلية لا يمكن التنبؤ بما سيقوم به أو ما يعتزم فعله. لذلك، تثير عودته رئيساً أسئلة كثيرة في الداخل الأميركي وفي أنحاء العالم، لا سيما في أوروبا والصين وروسيا والشرق الأوسط.
عودة ترامب إلى البيت الأبيض لها تداعيات على الوضع الداخلي الأميركي؛ فمعه ستزداد الديموقراطية الأميركية هشاشة، واحتمال لوي ما تبقى منها لمصلحة مسحة ديكتاتورية جديدة مع قشرة ديموقراطية. اقتحام الكابيتول في 6 كانون الثاني عام 2021 هو نموذج قائم. وإن العدل في أميركا لا يسري على الجميع، فالرئيس المنتخب محكوم بجنح وهو يواجه 34 محاكمة في قضايا مختلفة، وإن بعض الاتهامات التي تلاحقه تؤدي إلى عقوبة السجن.
مع الرئيس ترامب ستتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسيتعمق الانقسام بين الأميركيين وتزداد أحداث العنف العنصري، وهو نفسه قد أعلن أثناء الحملة الانتخابية: «إذا لم أنجح، ستسيل الدماء في أميركا». لقد تكشّفت ولاية ترامب الأولى والأحداث التي عرفتها أميركا أثناء الحملة الانتخابية التي أوصلته للرئاسة، عن صراع داخل الدولة العميقة تقوده أجنحة سياسية واقتصادية حيال الأولويات والأهداف، منها العولمة والتحدي الصيني والروسي والإيراني وحروب أوكرانيا وغزة ولبنان ومنظمة «البريكس» وتراجع النفوذ الأميركي وفشل النظام العالمي بقيادة القطبية الأميركية.
في 10/11/2024، كتب ديفيد إغناتيوس: «إن مدة ترامب الرئاسية تحمل مخاطر جسيمة على أميركا». تمرّ أميركا والعالم في مرحلة تحمل مخاطر كبيرة ومتغيرات في سياسات الدول على المستوى الدولي والإقليمي. مع رئاسة ترامب ليس واضحاً بعد كيف ستكون السياسة الخارجية الأميركية، لكن قد يصيبها التغيير بالعمل على بناء شراكات إستراتيجية في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط تستند إلى وقف تحمل تكاليف الحماية السياسية والعسكرية للحلفاء في دول آسيا والشرق الأوسط من دون مقابل مالي كما كان التعامل سابقاً مع السعودية واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والحلف الأطلسي.
لقد باشر ترامب وفريق عمله درس احتمال فرض عقوبات تجارية وتدابير حمائية على الصين مرفقة بتهديد بحرب تجارية عالمية. وتعهّد بأنه سيعمل على إنهاء الحروب في أوكرانيا وغزة ولبنان لأنه لا يريد توظيف أموال أميركية لا في أوكرانيا ولا في إسرائيل ولا في «الناتو». وأعلن أحد مستشاريه الجدد أن الرئيس ترامب يحضر لاتفاق نووي جديد مع إيران كما أنه باشر دراسة ملف إنهاء الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط ووضع آليات لوقف الحروب. لكن الأرجح أن ترامب يعطي الأولوية لإنهاء الحرب في أوكرانيا ووقف الدعم الأميركي، السياسي والمالي والعسكري، لأوكرانيا وإعادة بناء العلاقة مع الرئيس الروسي.
كما أن ترامب يعد باتخاذ قرارات تتعلق بإلغاء موافقة الولايات المتحدة الأميركية على مكافحة تغير المناخ.
فوز ترامب والحزب الجمهوري هو فوز لليمين المتطرف في أميركا، وسيكون له تأثير على تصاعد اليمين المتطرف في أوروبا التي تعيش أجواء صدمة وقلق من فوزه وتأثيره على تصاعد دور أحزاب اليمين المتطرف وعلى وحدة الاتحاد الأوروبي وتماسك أنظمته وسلطاتها التي تحكمها أحزاب ضعيفة أصابها العجز، مع احتمال انسحاب أميركا من «الناتو». منذ أيام، حذّر الرئيس الهنغاري فيكتور أوربان، وهو صديق لترامب، في افتتاح القمة الأوروبية، قائلاً: «إن سلام أوروبا واستقرارها وازدهارها في خطر»، ودعا صقور أوروبا المعادين لموسكو للاستجابة من أجل وقف إطلاق النار في أوكرانيا.
* كاتب لبناني
